فصل: مسألة غسل الجواري رجلي عبد الله بن عمر للصلاة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة رجل جهل في السفر فتيمم فضرب ضربة واحدة ثم سأل عن ذلك بعد أيام:

من كتاب أوله المحرم يتخذ خرقة لفرجه:
وسئل مالك عن رجل جهل في السفر فتيمم فضرب ضربة واحدة فيمم بها وجهه ويديه وصلى، ثم سأل عن ذلك بعد أيام، قال: أرجو أن يجزئ عنه، وغير ذلك كان أصوب. قال ابن القاسم: لا أرى عليه إعادة في الوقت ولا بعده.
قال محمد بن رشد: قد مضى في الرسم الذي قبل هذا من التكلم على هذه المسألة بما فيه كفاية.

.مسألة استنجى بدرة ثم توضأ وصلى:

وسئل عمن استنجى بدرة ثم توضأ وصلى. قال: صلاته تجزئه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم سن بما فيه كفاية.

.مسألة الخفين وما يصيب أهل مصر في أخفافهم من الروث الرطب:

وسئل مالك عن الخفين وما يصيب أهل مصر في أخفافهم من الروث الرطب أيمسحه الرجل ويصلي به؟ قال: أرجو أن يكون واسعا إن شاء الله، وما الناس كلهم سواء، من الناس من يركب، ومن الناس من يجعل زوجي خفاف لموضع البرد فينزع الأعلى، وأرجو أن يكون خفيفا. فقلت له: فأحب إليك أن ينزعه؟ قال: نعم، هو أحب إلي، ولا أراه ضيقا على الناس. فقيل له: فالعذرة يطأ عليها؟ قال: ليس هذا مثل الروث، والروث أسهل عندي من العذرة، ولا أرى أن يصلي بالعذرة حتى يغسلها. قال: والبول بول الناس عنده مثل العذرة وخرو الكلاب وما أشبهها لا يجزئ فيها إلا الغسل، إلا أرواث الدواب وأبوالها فإن المسح يجزئ فيها.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة قد تقدم الكلام عليها في رسم أوله تأخير صلاة العشاء.

.مسألة الطعام يوقد بأرواث الحمير أيؤكل:

وسألته عن الطعام يوقد بأرواث الحمير أيؤكل أم لا؟ فقال لي: أما الخبز الذي ينضج فيه فلا يؤكل، وأما ما طبخ في القدر فأكله خفيف وهو يكره بدءا، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما وقع في رسم شك في طوافه في بعض الروايات، قال: لا يوقد بعظام الميتة لا الطعام ولا الشراب، قال ابن القاسم: ولا أرى أن يوقد بها في الحمامات، قال ابن القاسم: ولا أرى بأسا أن تخلص بها الفضة من التراب إن شاء الله تعالى، ونفرد القول على هذه المسألة في موضعها. وهذا كما قال؛ لأن الخبز الذي ينضج فيه قد داخله من عين نجاسة الروث النجس وسرى فيه فنجس بذلك. وأما ما طبخ عليه في القدر فلم يصل إليه من عين النجاسة شيء ينجس به من أجل الحائل الذي بينه وبينه، وإنما يكره من أجل ما يصل إليه من دخان الروث النجس؛ لما في ذلك من الشبهة من أجل من يقول: إن الدخان نجس وإن لم يكن عندنا نجسا.

.مسألة الرجل يتوضأ يريد بذلك طهر الوضوء هل يجزئ ذلك للصلاة:

وسئل مالك عن الرجل يتوضأ يريد بذلك طهر الوضوء، ولا يريد بذلك صلاة، فتحضره الصلاة، أفترى أن يصلي بذلك الوضوء؟ قال: نعم إذا أراد بذلك طهرا.
قال محمد بن رشد: لا إشكال أن يصلي صلاة الفريضة بهذا الوضوء؛ لأنه إذا نوى به الطهر فقد قصد به رفع الحدث، فهذا أعم ما ينوي المتوضئ بوضوئه. وإنما الكلام إذا لم يعم ويقصد رفع الحدث، وإنما توضأ لشيء يعنيه هل يصلي بذلك صلاة الفريضة أم لا؟ وهذا ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتوضأ لما لا يصح فعله إلا بوضوء كمس المصحف أو الصلاة على جنازة وما أشبه ذلك، والثاني: أن يتوضأ لما يصح فعله بغير طهارة والوضوء له مشروع استحبابا كالنوم وقراءة القرآن طاهرا وما أشبهه، والثالث: أن يتوضأ لما لم يشرع له الوضوء أصلا كالدخول على السلطان وما أشبه ذلك. فالأول يصلي به باتفاق، والثاني يصلي به على اختلاف، والثالث لا يصلي به باتفاق، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يمشي بخفيه في مكان القشب الرطب فيصيبه من ذلك أيصلي فيه:

من كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان:
وسئل مالك عن رجل يمشي بخفيه في مكان القشب الرطب فيصيبه من ذلك، أيصلي فيه؟ قال: لا، حتى يغسله أو يخلعه. قيل له: فالحديث الذي جاء في القشب؟ قال: ذلك القشب اليابس فيما تقول. قال ابن القاسم: ثم سمعته بعد ذلك يخففه في أرواث الدواب وأبوالها إذا مسحت وإن كانت طرية.
قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة في مواضع، ومضى القول فيها في رسم تأخير العشاء ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يمر تحت السقائف فيقع عليه ماؤها:

وسئل مالك عن الرجل يمر تحت السقائف فيقع عليه ماؤها، قال: أراه في سعة ما لم يستيقن بنجس.
قال محمد بن رشد: زاد في هذه المسألة في رسم نقدها من سماع عيسى: فإن سألهم، فقالوا: هو طاهر، فإنه يصدقهم إلا أن يكونوا نصارى فلا أرى ذلك. وهذا كما قال: إن النصارى يحمل ما سال عليه من عندهم على النجاسة ولا يصدقون إن قالوا: إنه طاهر، بخلاف المسلمين؛ لأنهم ممن يتوقى من النجاسة ويخاف من ربه العقوبة. وقد تكررت في هذا الرسم بعينه من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.

.مسألة الدود يخرج من الدبر أترى فيه وضوءا:

وسئل مالك عن الدود يخرج من الدبر، أترى فيه وضوءا؟ قال مالك: لا، هو عندي مثل البول الذي يفلت من صاحبه. قال ابن القاسم: يريد السلس.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا وضوء عليه خرجت الدود نقية أو غير نقية، وهو المشهور في المذهب أن لا وضوء إلا فيما يخرج من السبيلين من المعتادات على العادة، والثاني: أنه لا وضوء عليه إلا فيما تخرج غير نقية، وهذا على قول من يرى الوضوء فيما خرج من السبيلين من المعتادات خرج على العادة أو على غير العادة، والثالث: أن عليه الوضوء وإن خرجت نقية، وهو قول ابن عبد الحكم خاصة من أصحابنا؛ لأنه يرى الوضوء مما خرج من السبيلين من المعتادات وغير المعتادات، وبالله التوفيق.

.مسألة تخليل اللحية في الوضوء:

من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون من كتاب الجنائز:
وسئل مالك عن تخليل اللحية في الوضوء، قال: لا أرى ذلك عليه، يغسل وجهه ويمر يديه على لحيته. قيل له: أفيخلل لحيته من الجنابة؟ قال: نعم ويحركها، قد «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخلل أصول شعر رأسه من الجنابة».
قال محمد بن رشد: دليل هذه الرواية أن تخليل اللحية مستحب عنده؛ لأنه لما نفى وجوب تخليلها بقوله: لا أرى ذلك عليه، دل على الاستحباب؛ إذ لا يقول أحد إن تخليلها من قبيل المباح. وقد تقدم القول في تخليلها في الوضوء في آخر رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وفي تخليلها في غسل الجنابة في رسم أخذ يشرب خمرا منه بما لا معنى لإعادته هاهنا وبالله التوفيق.

.مسألة تقبيل الرجل أخته أو ابنته أينقض الوضوء:

وسئل عن تقبيل الرجل أخته أو ابنته أينقض الوضوء؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القبلة من الملامسة، فإنما ينتقض الوضوء من ناحية اللذة، والنساء في ذلك على ثلاثة أحوال: من لا يوجد في تقبيلهن لذة ومنهن من لا يُبتغى في تقبيلهن لذة، ومنهن من يُبتغى في تقبيلهن اللذة. فأما اللواتي لا يوجد في تقبيلهن لذة وهن الصغيرات اللواتي لا يشتهى مثلهن فلا وضوء في تقبيلهن وإن قصد بذلك اللذة ووجدها بقلبه إلا على مذهب من يوجب الوضوء في الالتذاذ بالتذكار. وأما اللواتي لا يبتغى في تقبيلهن لذة وهن ذوات المحارم فلا وضوء في تقبيلهن إلا مع القصد إلى الالتذاذ بذلك من الفاسق الذي لا يتقي الله؛ لأن القصد في تقبيلهن الحنان والرحمة، فالأمر محمول على ذلك حتى يقصد سواه. وأما اللواتي يبتغى بتقبيلهن اللذة وهن من سوى ذوات المحارم فيجب الوضوء في تقبيلهن مع وجود اللذة أو القصد إليها وإن لم توجد، واختلف إذا عدم الأمران على قولين، وبالله التوفيق.

.مسألة المسافر لا يجد وفي الرفقة من معه ماء أيتيمم للصلاة ولا يسألهم:

وسئل عن المسافر لا يكون معه ماء وقد حضرت الصلاة وفي الرفقة من معه ماء، أترى أن يتيمم ويصلي ولا يسألهم؟ أم ترى ألا يتيمم حتى يسألهم؟ فقال: يتيمم وهو يجد ماء، لا، ولكن يسأل من يليه ومن يظن أنه يعطيه. قبل أن يتيمم، وليس عليه أن يتبع أربعين رجلا في الرفقة فيسألهم كلهم، ولكن يسأل من يليه ويرجو ذلك منه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في هذه المسألة في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، ويأتي في رسم أبي زيد ما فيه زيادة في معناها.

.مسألة المتوضئ في الصفر والحديد:

وسئل عن المتوضئ في الصفر والحديد، فقال: لا بأس بذلك، وقد أتي عبد الله بن عمر بوضوء في تور نحاس فأبى أن يتوضأ فيه، قال مالك: وأراه نحاه ناحية الفضة.
قال محمد بن رشد: معنى قول مالك في هذه المسألة: لا بأس بذلك؛ أي لا بأس ولا كراهية فيه عندي، وإن كان عبد الله بن عمر قد كرهه ونحا به ناحية الفضة.

.مسألة أيتوضأ من السقاء من الميتة إذا دبغ:

وسئل أيتوضأ من السقاء من الميتة إذا دبغ؟ فقال: إني أرجو أن لا يكون به بأس، إن أبغض ذلك إلي الصلاة فيه.
قال محمد بن رشد: قال في كتاب الجعل والإجارة من المدونة: وجه الانتفاع بها الجلوس عليها والغربلة بها، وأما الاستسقاء بها ففي نفسي منه شيء، فأنا أتقيه في خاصة نفسي ولا أحرمه على الناس. فالمشهور من قول مالك المعلوم من مذهبه أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ، وإنما يجوز الانتفاع به في المعاني التي ذكر على حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت». وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «مر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاة ميتة كان أعطاها مولى لميمونة زوج النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فقال: أفلا انتفعتم بجلدها؟ فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة، فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ: إنما حرم أكلها». وروي عنه أيضا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» وروي عن عبد الله بن الحكم قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أرض جهينة وأنا غلام شاب أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» فقال ابن لبابة: يشبه أن يكون مالك أسقط حديث ابن عباس الأول؛ لأنه قد اختلف عن ابن شهاب في إسناده ومتنه، فروي عنه مرة عن ابن عباس عن ميمونة، ومرة عن ابن عباس أن شاة لميمونة، وروي عنه «ألا دبغتم إهابها فانتفعتم به» وأسقط حديثه أيضا: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» لأنه منه، وأسقط حديث عبد الله بن حكيم؛ لأنه لم تكن له صحبة، ولأنه قد روي عنه أنه قال: أخبرنا أشياخنا أن كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى إلى جهينة، وتقلد حديث عائشة وحده. وكان شيخنا الفقيه أبو جعفر بن رزق رَحِمَهُ اللَّهُ يقول: لم يسقط مالك رَحِمَهُ اللَّهُ شيئا من هذه الآثار بل استعملها كلها، وجعل حديث عائشة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» مفسرا لها كلها، فقال قوله في حديث ابن عباس الثاني: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» معناه الانتفاع به، وقوله في حديث عبد الله بن حكيم: «ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» معناه قبل الدباغ، وهو كلام جيد؛ إذ لا ينبغي أن يطرح شيء من الآثار مع إمكان استعمالها. وأكثر أهل العلم يقولون: إن جلد الميتة يطهره الدباغ طهارة كاملة يجوز بها بيعه والصلاة به، وهو قول ابن وهب من أصحابنا في سماع عبد الملك من كتاب الصلاة، وفي الصلاة من المدونة دليل على هذا القول، وروى أشهب مثله عن مالك في جلود الأنعام خاصة في كتاب الضحايا، قال: وسئل مالك أترى ما دبغ من جلود الدواب طاهرا؟ فقال: ألا يقال هذا في جلود الأنعام، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون جلده طاهرا إذا دبغ وهو مما لا ذكاة فيه ولا يؤكل لحمه. وقد اختلف في جلد الخنزير فقيل: إنه لا يطهر بالدباغ، وقيل: إنه يطهر به لعموم الحديث. وقد قال أهل اللغة منهم النضر بن شميل: إن الإهاب جلد الأنعام، وما سواه لا يقال له إهاب، وإنما يقال له جلد. وقال إسحاق بن راهويه: هو كما قال النضر، وقال أحمد بن حنبل: لا أعرف ما قال النضر.

.مسألة أيغسل الصوف صوف الميتة قبل أن يلبس:

وسئل أيغسل الصوف صوف الميتة قبل أن يلبس؟ فقال: إن كان يعلم أنه لم يصبه أذى فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصله أنه طاهر، بدليل أخذه منها في حال الحياة. وقد قال ابن حبيب: إنه يغسل، واستحب ذلك في المدونة، ولا معنى له إن علم أنه لم يصبه أذى. وذهب الشافعي إلى أن الصوف من الميتة ميتة؛ لأنه رأى أن الروح قد حله فمات بموت الشاة. وفي إجماعهم على جواز أخذه حال الحياة مع السلامة دليل على أن الروح لم يحله. وقد قال بعض من احتج له: إن ذلك كاللبن يؤخذ من الحي ولا يؤخذ من الميت، ولم يأت بشيء؛ لأن اللبن من الميت إنما نجس من كونه في الوعاء النجس، لا أنه مات بموت الشاة. وأما القرن فقد حله الروح، ولذلك كره مالك أخذه حال الحياة أو الموت، ولم يحرمه؛ لأنه أشبه الصوف في أنه لا يؤثر فيه الموت ولا يؤلم البهيمة أخذه منها حال الحياة.

.مسألة قوله تعالى: {يوم تبلى السرائر} هل الوضوء من السرائر:

وسألته عن قَوْله تَعَالَى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 9] أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ قال: نعم. الوضوء من السرائر، وقد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أحدثه فلا، والصلاة من السرائر، والصيام من السرائر، إن شاء قال: قد صليت ولم يصل، ومن السرائر ما في القلوب يجزي الله به العباد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السرائر ما يسر العبد في نفسه من إيمان أو كفر أو خير أو شر أو إخلاص عبادة أو الرياء بإظهار طاعة، فيعلم الله ذلك من قلبه ويبلوه من فعله ويحاسبه على ذلك بحكمه ويصيره إلى ما شاء من جنة أو نار بعدله، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه.

.مسألة الأقطع الرجل الواحدة أيجوز له أن يمشي بالنعل الواحدة:

وسئل عن الأقطع الرجل الواحدة، أيجوز له أن يمشي بالنعل الواحدة؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النهي عن المشي في النعل الواحدة إنما أريد به من كان ذا رجلين، بدليل قوله في الحديث: «لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا»، فمن كان ذا رجل واحدة لم يتناوله النهي، والله تعالى أعلم.

.مسألة مسح مقدم رأسه مثل ما صنع ابن عمر:

ومن كتاب الصلاة:
وسئل عمن مسح مقدم رأسه مثل ما صنع ابن عمر، فقال: وما يدريك أن ابن عمر مسح مقدم رأسه، فقال: أرى أن يعيد الصلاة. قال أشهب: لا إعادة عليه، فقيل له: إذا مسح بعض رأسه ولم يعم أعاد؟ قال: نعم، أرأيت لو غسل بعض وجهه أو ذراعيه أو رجليه.
قال محمد بن رشد: اختلف أهل العلم في جواز مسح بعض الرأس في الوضوء لاحتمال قول الله عز وجل: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] أن تكون الباء للتبعيض وأن تكون للإلزاق، ولما روي من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مسح بعض رأسه». فأما مالك رَحِمَهُ اللَّهُ فلم يجز مسح بعض الرأس كما لم يجز في التيمم مسح بعض الوجه واليدين، وإن كان الله قد قال: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، كما قال في الوضوء: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من أهل العلم إلى إجازة مسح بعض الرأس لما ذكرناه، وإلى هذا ذهب أشهب في هذه الرواية. وقال محمد بن مسلمة: إن مسح ثلثي رأسه أجزأه، وقال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه، وبالله التوفيق.

.مسألة المرأة التي يئست من المحيض تدفق دفقة من دم أو دفقتين:

وسئل عن المرأة التي يئست من المحيض تدفق دفقة من دم أو دفقتين، قال: يسأل النساء عن ذلك، فإن كانت مثلها تحيض فلتغتسل وتصل.
قال محمد بن رشد: النساء في الحيض ينقسمن على خمسة أقسام: صغيرة لا يشبه أن تحيض، ومراهقة يشبه أن تحيض، وبالغة في سن من تحيض، ومسنة يشبه أن لا تحيض، وعجوز لا يشبه أن تحيض. ولما لم يرد في القرآن ولا في السنة حد يرجع إليه من السنين يفصل به بين المسنة التي يشبه أن لا تحيض والعجوز التي لا يشبه أن تحيض، وجب أن يرجع في ذلك إلى قول النساء كما قال، فيُسألن عنه، فإن قلن: إن هذه المرأة التي دفقت دفقة أودفقتين من دم بعد أن كانت يئست من المحيض فيما كانت ظنت مثلها تحيض، فلتعد ذلك الدم حيضا وتغتسل منه إذا انقطع عنها وتصلي، وإن قلن: إن مثلها لا تحيض فلا تعد ذلك الدم حيضا ولا تترك الصلاة له ولا تغتسل منه، قاله ابن القاسم في المجموعة، وقال ابن حبيب: إنها تغتسل وليس ذلك بصحيح؛ وإن شككن فيها عدت ذلك حيضا؛ لأن ما تراه المرأة من الدم محمول على أنه حيض حتى يوقن أنه ليس بحيض من صغر أو كبر؛ لقول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] والأذى الدم الخارج من الرحم، فوجب أن يحمل على أنه حيض حتى يعلم أنه ليس بحيض، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يغسل رأسه بالبيض:

ومن كتاب النذور والجنائز والذبائح:
قال مالك: وسألني رجل عمن غسل رأسه بالبيض فقلت له: ما يعجبني ذلك، ولكل شيء وجه، ما له يدع الغاسول ويغسل بالبيض؟ فقيل له: أرأيت الأرز يغسل به اليد؟ أهو مثله؟ قال: هذا أخف عندي، هذا مثل الأشنان.
قال محمد بن رشد: أما الأرز بإسكان الراء، فإذا لم يكن من الطعام فغسل اليد به جائز لا وجه للكراهة فيه، وأما ما كان من الطعام فغسل اليد والرأس به مكروه، وقد مضى في آخر رسم البز وجه الكراهة فيه والجمع بين ما يعارض ظاهره في ذلك من الروايات. وأما الرواية فيه بتحريك الراء وتشديد الزاء فخطأ لا يستقيم الكلام عليها؛ لأنها من رفيع الطعام فلا وجه لتخفيفه على غيره من الطعام، فإن كان لشجر الأرز ثمر يؤكل عند الحاجة أو على وجه التداوي فقوله في تخفيف غسل اليد به وتشبيهه بالأشنان بين؛ لأن الكراهة في هذا إنما هي بحسب حرمة الطعام، فلا شك أن غسل اليد بدقيق الكرسنة أخف منه بدقيق القمح، وبالله التوفيق.

.مسألة الفارة تقع في بير فتتمعط فيها فيعجن بها ويطبخ اللحم:

وسئل عن فارة وقعت في بير فتمعطت فيها، فعجن بها وطبخ اللحم، أترى أن يؤكل؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل. قيل له: فما يصنع به؟ قال: لو أطعمه البهائم، قال: فما غسل به من الثياب؟ قال: لو غسلت لأجزأهم.
قال محمد بن رشد: قال هاهنا في الخبز الذي عجن واللحم الذي طبخ بالماء الذي ماتت فيه الفارة: إنه لا يؤكل، وقال في رسم سلف من سماع ابن القاسم في القمح المفلق بالماء الذي ماتت فيه الفارة: إنه لا يؤكل أيأكلون الميتة. يحتمل أن يكون تكلم في مسألة القمح على أن الماء تغير من ذلك، وفي هذه الرواية على أن الماء لم يتغير من ذلك، ومساواته هاهنا بين الخبز المعجون بذلك واللحم المطبوخ به هو نحو ما في سماع يحيى من كتاب الصيد في البيض الذي يسلق فيوجد في إحداهن فرخ أن أكلهن كلهن لا يصلح؛ لأن بعضه سقى بعضا، وخلاف لما في سماع موسى بن معاوية من هذا الكتاب أن اللحم يغسل ويؤكل. وقوله فيما غسل به من الثياب: لو غسل لأجزاهم، ليس بخلاف لما في آخر السماع من قوله: إن الثياب تنضح ولا تغسل إذا لم يكن الماء فاسدا منتنا. والفرق بين المسألتين أن الثياب هاهنا كانت غسلت بذلك الماء فعمتها النجاسة فلم يجز فيها النضح، وفي المسألة التي في آخر السماع لم تغسل الثياب من ذلك الماء، وإنما كان ذلك الماء يصيبها على ما قال فلم تعمها النجاسة، وهذا فرق بين من الكتاب بين المسألتين.

.مسألة غسل الجواري رجلي عبد الله بن عمر للصلاة:

قال: وسئل عن غسل الجواري رجلي عبد الله بن عمر للصلاة، قال: نعم في رأيي، قيل له: لا تخاف أن يكون ذلك من اللماس؟ قال: لا لعمري، وما كان ابن عمر يفعل ذلك إلا من شغل أو عذر يجده.
قال محمد بن رشد: قوله في حديث ابن عمر: ويعطينه الخمرة، يريد للصلاة، دليل على ما قال مالك: إن غسلهن لرجليه إنما كان للصلاة، وإذا لم يكن القصد في مس أحد الرجلين صاحبه الالتذاذ فلا وضوء على أحد منهما، إلا أن يلتذ بذلك ويشتهي، فلو التذ عبد الله بن عمر بغسل جواريه رجليه لما صلى بذلك الوضوء؛ إذ قد علم من مذهبه أن الملامسة تنقض الوضوء في بعض الروايات إلا من شغل أو ضعف، وفي روايتها بعضها إلا من ضعف أو عذر يجده، وهي الرواية الصحيحة في المعنى. وقد حكى الطحاوي عن طائفة من أهل العلم أن الفضل في أن يلي المغتسل أو المتوضئ أو المتيمم ذلك بنفسه لنفسه، فإن ولى ذلك غيره أجزأه. وحكى عن طائفة منهم أن ذلك لا يجزئه، قال: ومنهم مالك بن أنس. والذي يظهر من مذهبه وقوله في هذه المسألة خلاف ذلك، إلا أن يفعله استنكافا عن عبادة الله تعالى واستكبارا عنها وتهاونا بها، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة الرجل يكون على وضوء فيجد ريحا فيريد أن يتوضأ للصلاة ولم يمس شيئا قذرا:

ومن كتاب الوضوء والجهاد:
وسئل مالك عن الرجل يكون على وضوء فيجد ريحا فيريد أن يتوضأ للصلاة ولم يمس شيئا قذرا ولا غيره وهي طاهرة، أيغسلها قبل أن يدخلها في وضوئه؟ فقال: أحب إلي أن يغسلها قبل أن يدخلها في وضوئه، فقيل له: وإن كانت يده طاهرة؟ فقال: هو أحب إلي إلا أن يكون عهده بالماء قريبا، فقلت له: كان على وضوء فأحدث ثم أراد الوضوء، فقال: أحب إلي أن يغسلها قبل أن يدخلها في وضوئه.
قال محمد بن رشد: اختلف في غسل اليد قبل إدخالها في الوضوء إذا أيقن بطهارتها، فقيل: إن ذلك سنة من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة، وقيل: إن ذلك استحباب لا سنة، قيل: كان عهده بغسلها قريبا أو بعيدا، وهو أحد قولي مالك في هذه الرواية وقول ابن وهب في سماع عبد الملك من هذا الكتاب وقول ابن القاسم في رسم أسلم من سماع عيسى وفي سماع أبي زيد، وقيل: إنما ذلك إذا بعد عهده بالماء، وأما إن كان عهده بالماء قريبا فليس ذلك عليه في سنة ولا استحباب، وهو القول الثاني لمالك في هذه الرواية، وقول أشهب في سماع عبد الملك بن الحسن من هذا الكتاب. ووجه القول بأنه سنة «أن عبد الله بن زيد بن عاصم لما سأله السائل هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ، قال: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين مرتين»، فكان في توقيت غسلهما مرتين مرتين دليل على أن غسلهما عبادة لا لنجاسة، فثبت كون ذلك سنة في الوضوء إذا لم يأت ما يعارضها. ووجه القول بأن ذلك استحباب أن هذه السنة قد عارضها دليل حديث أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»؛ لأنه لما علق الأمر بالغسل بالشك في طهارة يده دل ذلك على أنها لا تغسل إذا أوقن بطهارتها، فالاختلاف في غسل اليد قبل إدخالها في الوضوء إذا أوقن بطهارتها هل هو سنة أو استحباب مبني على الاختلاف في القول بدليل الخطاب، وهذا بين لمن تأمل. ويلزم على القول بأنه سنة أن لا يجزئ إلا بنية. وقد اختلف إذا غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء ثم بعد غسلهما مع ذراعيه هل يجزئه ذلك أم لا؟ ففي مصنف عبد الرزاق عن عطاء أن ذلك يجزئه، وقال محمد بن عمر بن لبابة: لا يجزئه. قال محمد بن يحيى: وقول محمد بن عمر أرجح؛ لأنه بمنزلة من صلى نافلة فلا تجزئه عن فريضة؛ إذ أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغسلهما قبل إدخالهما في الوضوء إنما هو زيادة على ما أمر الله به لا عوضا منه، وهو ظاهر، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة المتوضئ للصلاة يدخل يده إذا تمضمض في فيه فيدلك بها أسنانه ولسانه:

قال: وسئل مالك عن المتوضئ للصلاة يدخل يده إذا تمضمض في فيه فيدلك بها أسنانه ولسانه ثم يدخلهما في الإناء قبل أن يغسلهما، فقال: لا بأس به إن شاء الله، وأرجو أن يكون واسعا، وأحب إلي أن يغسلهما، وأرجو أن يكون واسعا.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم وجه استحبابه لغسل يده قبل أن يعيدها في وضوئه، فلا معنى لإعادة ذلك وذكره.

.مسألة الأذنان من الرأس وليستأنف لهما الماء:

قال مالك: الأذنان من الرأس، وليستأنف لهما الماء.
قال محمد بن رشد: هذا قول مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في المدونة وغيرها: إن الأذنين من الرأس، وإنما السنة عنده في تجديد الماء لهما. والدليل على أنهما من الرأس قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أبي عبد الله الصنابحي: «فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه» وإنما قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ: من نسي مسح أذنيه حتى صلى إن صلاته تامة، وإن كان من مذهبه أن استيعاب مسح الرأس فرض؛ لأنه استخفهما ليسارتهما؛ إذ قد قيل: إنه يجزئ مسح بعض الرأس، وإذ قد قيل: إنهما ليستا من الرأس، فقد قيل: إنهما من الوجه، وقيل: إنهما سنة على حيالها ليستا من الوجه ولا من الرأس، وقيل: إن ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه.